فخر الدين الرازي

7

تفسير الرازي

ثم عند هذا يحتمل وجوهاً الأول : أن يكون المعنى : وجعلنا نومكم نوماً متقطعاً لا دائماً ، فإن النوم بمقدار الحاجة من أنفع الأشياء . أما دوامه فمن أضر الأشياء ، فلما كان انقطاعه نعمة عظيمة لا جرم ذكره الله تعالى في معرض الإنعام الثاني : أن الإنسان إذا تعب ثم نام ، فذلك النوم يزيل عنه ذلك التعب ، فسميت تلك الإزالة سبتاً وقطعاً ، وهذا هو المراد من قول ابن قتيبة : * ( وجعلنا نومكم سباتاً ) * أي راحة ، وليس غرضه منه أن السبات اسم للراحة ، بل المقصود أن النوم يقطع التعب ويزيله ، فحينئذ تحصل الراحة الثالث : قال المبرد : * ( وجعلنا نومكم سباتاً ) * أي جعلناه نوماً خفيفاً يمكنكم دفعه وقطعه ، تقول العرب : رجل مسبوت إذا كان النوم يغالبه وهو يدافعه ، كأنه قيل : وجعلنا نومكم نوماً لطيفاً يمكنكم دفعه ، وما جعلناه غشياً مستولياً عليكم ، فإن ذلك من الأمراض الشديدة ، وهذه الوجوه كلها صحيحة . * ( وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاساً ) * . وخامسها : قوله تعالى : * ( وجعلنا الليل لباساً ) * قال القفال : أصل اللباس هو الشيء الذي يلبسه الإنسان ويتغطى به ، فيكون ذلك مغطياً له ، فلما كان الليل يغشى الناس بظلمته فيغطيهم جعل لباساً لهم ، وهذا السبت سمي الليل لباساً على وجه المجاز ، والمراد كون الليل ساتراً لهم . وأما وجه النعمة في ذلك ، فهو أن ظلامة الليل تستر الإنسان عن العيون إذا أراد هرباً من عدو ، أو بياتاً له ، أو إخفاء مالا يحب الإنسان اطلاع غيره عليه ، قال المتنبي : وكم لظلام الليل عندي من يد * تخبر أن المانوية تكذب وأيضاً فكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جماله وتتكامل قوته ويندفع عنه أذى الحر والبرد ، فكذا لباس الليل بسبب ما يحصل فيه من النوم يزيد في جمال الإنسان ، وفي طراوة أعضائه وفي تكامل قواه الحسية والحركية ، ويندفع عنه أذى التعب الجسماني ، وأذى الأفكار الموحشة النفسانية ، فإن المريض إذا نام بالليل وجد الخفة العظيمة . * ( وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ) * . وسادسها : قوله تعالى : * ( وجعلنا النهار معاشاً ) * في المعاش وجهان أحدهما : أنه مصدر يقال : عاش يعيش عيشاً ومعاشاً ومعيشة وعيشة ، وعلى هذا التقدير فلا بد فيه من إضمار ، والمعنى وجعلنا النهار وقت معاش والثاني : أن يكون معاشاً مفعلاً وظرفاً للتعيش ، وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار ، ومعنى كون النهار معاشاً أن الخلق إنما يمكنهم التقلب في حوائجهم ومكاسبهم في النهار لا في الليل . * ( وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ) * . وسابعها : قوله تعالى : * ( وبنينا فوقكم سبعاً شداداً ) * أي سبع سماوات شداداً جمع شديدة